التناغم مع المجهول

(English) Flowing with Uncertainty.

 

ولد الكثير منا مع خطة مسبقة لحياتهم والتي تبدأ عادة مع تخطيط الوالدين في الحصول على ولدهم الأول أو ربما الثاني كما في حالتي ومن ثم يتبع ذلك المدرسة ثم الجامعة فالوظيفة ومن بعدها الزواج والأطفال لتستمر الحكاية كما بدأت.

بالطبع هناك دائما مجال للارتجال حتى ولو كنت قد ركبت قطار الحياة الروتيني، إذ بإمكانك تجاوز بعض المحطات أو الاختيار بين محطة وأخرى ولكن خط السير العام  لهذه الحياة  قد وضع مسبقاً مهما غيرت في تلك المحطات.

لطالما كان لدي خطة خاصة لحياتي ولكن وعلى الرغم من عدم إلتزامي بالنمط التقليدي لحياة النساء في الشرق الأوسط بقيت أعيش واتحرك ضمن إطار عام  أعطاني الشعور بالاستقرار. كان هناك جانب راسخ في حياتي منحني غاية وهدفا للحياة عبر جميع المحطات الصعبة و الممتعة، وكان ذلك الجانب هو حياتي المهنية.

أنا مسؤولة تنفيذية ناجحة في مجال التكنولوجيا ولطالما كرست نفسي للعمل الذي أحببته. كان لدي شغف في مجال الأعمال واستمتعت في المضي قدماً لتحقيق النجاح في هذا المجال.

ولكن ومع مرور الوقت ،شيء ما بدأ يتغير. شغفي للحياة ولما أقوم بإنجازه بدأ يتلاشى. بدأت أشعر بثقل في قلبي و بدأت طاقتي تضعف و حماسي يتبدد.  كنت أمرض باستمرار و بدون سبب وكأنها كانت الطريقة الوحيدة لجسدي ليبوح بشكواه. حتى نوبات التوتر والقلق التي كانت تصيبني بشكل دوري توقفت. بالطبع كان من الممكن أن يكون هذا شيئا جيدا لو كانت تلك دلالة على تحسن قدرتي على مواجهة الضغط أو إشارة على تطور روحاني أو حتى إذا كان نتيجةً لممارستي التأمل بشكل يومي.. ولكن كنت أدرك في قرارة نفسي أن هذا غير صحيح.

كانت رغبتي واهتمامي في كل شيء من حولي تتلاشى. بعد واحد وعشرين سنة قضيتها في مهنة لطالما أحببتها وافتخرت بها، بدأت تساورني الشكوك فيما إذا كنت أريد أن أكمل المسار كسيدة أعمال أم لا.

كان هناك امرأة مختلفة تختنق في داخلي، امرأة أكثر إبداعاً وتحرراً وتناغماً مع العالم ولكن ليس العالم ذاته التي كنت أعيش فيه.

هل يبدو هذا مألوفاً؟

في عام 2017 وقبيل عيد ميلادي الرابع والأربعين قررت أن أمنح نفسي هدية مميزة. قررت الإستقالة و ترك الشركة التي أنشأتها والوظيفة التي استمتعت بها و المكانة و الاسم الذي حققته وكل ما يتعلق به. كانت مغامرة اتسمت بالإيمان و الثقة بما سيجلبه المجهول دون أدنى فكرة عما يمكن أن يكون. كان قراري ألا أكترث بما سيجلبه المجهول.

اعتقد الكثير إني كنت أملك خطة بديلة كتأسيس شركة جديدة أو إنشاء منظمة غير حكومية أو ربما الزواج من شخص قررت التخلي عن حياتي السابقة لأكون معه. ولكن الواقع كان أكثر بساطة من ذلك بكثير، فالحقيقة أنه  لم يكن لدي أدنى فكرة عن المستقبل.

أجريت بعض الحسابات ورتبت أموري المالية ووضعت خطة لسفري في 2018 وعقدت إتفاق مع الكون أن الوقت قد حان للتغيير.

كل شيء بدا رائعاً ومثالياً وكنت مستمتعة بحياتي الجديدة لحين استيقظت في إحدى الليالي أثناء إجازتي في توسكاني على ما اعتقدت أنه نوبة قلبية، لكن سرعان ما أدركت أنها لم تكن كذلك،  فهذا الشعور الذي انتابني كان مألوفاً بالنسبة لي. لقد كانت مجرد نوبة من القلق.

سألت نفسي: لِم يحدث هذا عندما بدت الحياة رائعة جداً! المناظر الطبيعية الخلابة في توسكاني، حرية الوقت فلا شيء يقيدني، السكينة والصفاء، لا مسؤوليات ولا التزامات…

لماذا ؟ لماذا استيقظت في منتصف الليل وقد اجتاحني القلق والخوف؟ والخوف من ماذا؟

أغمضت عيني وبدأت رحلة تفكر داخلي محاولة التواصل مع جسمي و الإحساس بما يدور في أعماقي. مضي وقت طويل من ذلك التأمل العميق قبل أن تتبادر لي و بشكل مفاجئ مسألة لطالما كنت أفكر فيها قبيل البدء بهذه الرحلة!

ياترى إذا ما قمت بتجريد نفسي من جميع الأدوار التي ألعبها في الحياة اليومية كالابنة والأخت والمدير التنفيذي والمستشار وجميع الأدوار الأخرى التي أقوم بها بشكل يومي، من سأكون و مالذي سيعطي معناً حقيقياً لحياتي ؟

لم يكن هذا تساؤلاً فلسفياً معقداً أطرحه على نفسي أو على الأخرين للعثور على إجابات روحانية مثل الإنسجام مع الذات أو الوعي أو حتى ما وراء ذلك. فبالرغم من اهتمامي وسعيي الحثيث لتطوير مفاهيمي الروحانية، إلا أن هذا السؤال جاء نابعا من الجانب العملي من ذاتي والذي يسعى دائماً للتطور والتفوق و التحدي. علي الاعتراف بأنه مازال لدي مشوار طويل لتحقيق الإندماج والتكامل بين الجانب الروحاني من شخصيتي و الجانب العملاني!

قبيل البدء برحلتي جربت الخوض في  هذه المسألة مع العديد من الأشخاص وخصوصاً أولئك الذين كانوا يعيشون مرحلة إنتقالية كتلك التي أعيشها، ولكن للأسف دون جدوى. إذ لم يسعفني أحد بإجابة شافية.  لم أكن أحاول الحصول على إجابة واحدة يمكن تعميمها علينا جميعاً و لكن كان لدي أمل من تلك النقاشات بالوصول لمقاربة عامة لذلك السؤال أستطيع استخدامها للإجابة على سؤالي الشخصي.

بالنسبة لي كان هذا السؤال مسألة جوهرية وتعني الكثير وذلك لأنني اعتدت على استمداد ثباتي من ذاتي.. فأنا أعرف نفسي جيداً، أعرف من أكون وماهو هدفي في الحياة وماذا أحتاج لإنجاز ذلك الهدف، و قد منحني ذلك الكثير من القوة والثبات طوال مسيرتي. أعرف تماماً ماهي المعارك التي أرغب في خوضها و استمتع في مواجهة جميع الصعوبات والتحديات التي قد تواجهني خلال أي معركة.

اعتدت أن أكون مستعدة للتعامل مع المجهول وعدم الإكتراث لمعرفة ماذا سيحدث في اليوم التالي ولكن من الواضح أنني لم أكن جاهزة بعد لعدم معرفة من أكون في هذه المرحلة الجديدة.

عدت أدراجي من توسكاني وكلي يقين بأن التحدي الحقيقي الذي يتوجب علي مواجهته هو إيجاد الوسيلة للتعامل مع هذا المجهول. يتطلب الأمر الكثير من الشجاعة للتخلي عمن نكون، ولكن يصبح الأمر مخيفاً إذا ما كنا في الوقت ذاته نجهل من نريد أن نكون.

أراقب نفسي اليوم كيف أتشبث بأجزاء من شخصيتي القديمة وبالأمور التي كنت أستمتع القيام بها إذ مازال ذلك يمنحني الشعور بالثقة بالذات والتفوق. أقوم بذلك بينما أتقدم بخطوات خجولة محاولة التماس طريق لذاتي الأخرى التي تحاول الظهور مفسحة لها المجال والوقت. هي مرحلة فيها الكثير من الفوضى، ولكن أليست كل عمليات الخلق و الإبداع تبدأ بمرحلة من الفوضى العارمة.

مازلت أتعلم خلال هذه المرحلة الجديدة من حياتي كيف أكون متفهمة و متعاطفة مع ذاتي وأقل تطلباً. إذ ينبغي علي القبول بما أمر به من عثرات وأنني في كل مرة أخطو خطوة واحدة للأمام يلحقها عشر خطوات للوراء. أقوم بتذكير نفسي باستمرار بأن علي المحافظة على روح مرحة  لأستمتع بهذه الرحلة الجديدة. هي رحلة مختلفة عمّا اعتدت عليه، ليس هذا أحد المشاريع التي اعتدت على إدارتها و التي أستطيع بسهولة وضع جدول زمني لها بإمكاني التحكم به.  إنها تجربة جديدة تحكم ذاتها ولايمكنني سوى تقبلها كما هي.

لقد وصفني أحد الأصدقاء “بالشخص الفاعل” الذي بإمكانه أن يجعل الأشياء تحدث ولايتوقف حتي يصل لما يريد، ولكن من الواضح أنني لايمكنني أن أستعجل التغيير الذي أمر به أو أفرضه بطريقة ممنهجة. هذه المرحلة الجديدة من حياتي تتطلب الكثير من الصبر و التجارب إذ لا يوجد أجوبة جاهزة. هي تجربة شخصية بامتياز علي أن أخوضها لأجد الأجوبة بنفسي.

لا يبدو لي أن كتب تطوير الذات والتدريب والنصائح يمكنها إعطاء إجابات بسيطة إذا كنت على مثل هذا الطريق في البحث عن ذاتك الجديدة. و سيكون عليك أن تتقبل أنه و حتى تجد تلك الذات أنت مجرد باحث و مستكشف لبعض الوقت الذي قد يطول أو يقصر.

إذا كنت مثلي مازلت في مرحلة الاستكشاف فلابد وأنك تدرك ما تنطوي عليه هذه الرحلة من لحظات ارتباك وضعف ومن ضغوط من المجتمع المحيط بك ومن الشعور الدائم بالخوف من الفشل و الهزيمة.

ولكن وبالرغم من كل ذلك، أتمنى أن تعطي نفسك المجال للشعور بمتعة الأطفال وهم يكتشفون شيئاً جديداً كلما تعلمت شيئا جديدا عن ذاتك وأن تستمتع بتلك الطاقة و الحماس الذي يمكن أن تمنحك إياه جميع الاحتمالات الجديدة و الفرص لأن تكون ماتريد و أن تختبر الحياة بشكل جديد خال من الافتراضات المسبقة.